أحمد سعده يكتب: الحرب الأهلية في مصر على المحك

اطبع الموضوع
أحمد سعده

رغم أن الجنون لم يكن يوما أداة منطقية للنجاح، إلا أن الإسلام السياسي يرى فيه طوق الإنقاذ والأمل الأخير في الاستحواذ والإنفراد بالسلطة وتكوين طبقة جديدة من الرأسمالية التابعة حول الرئيس تحل محل القديمة. ومع صعود الفاشية وتدهور الأوضاع الاقتصادية في مصر لا يمكننا استبعاد احتمالية حدوث حرب أهلية علينا الاستماتة في تفادي وقوعها والاستعاذة بالله من ويلاتها وجحيمها، لكن هناك بعض العوامل تتحكم في تلك الرؤية أهمها صلابة الرئيس داخل النظام أو اهتزازه بالشكل الذي يخلق صراعات متكررة تصل بالمد الثوري لأعلى آفاقه في مواجهة النظام ومحاولة إسقاطه والتحرر من كابوس الدولة الدينية وان كانت بوادره قد لاحت في الأفق بالفعل بوصول الثوار إلى حد المطالبة بإسقاط مرسي بعد إعلانه الكارثي وقراراته المجنونة والهجوم الوحشي على ثوار الاتحادية، الا أن التيار الإسلامي وعن طريق الاستفتاء الدستوري المكيدي وبمساعدة جبهة الانقاذ ومن على شاكلتهم استطاعوا توجيه الدفة الثورية الى معركة دستورية تافهة أقصى طموحها الثوري هو التصويت بـ(لا) بدلا من مساندة الثوار في معركة حقيقية مدعومة بموقف القضاء القوي ورغبته الملحة في الاستقلال.
وبرغم تراجع الثورة الشعبية إلا أن المستقبل القريب بما سيحمله من تمادي الفاشية سيفجرها مجددا خاصة مع نية حكومة الإخوان في رفع أسعار السلع الحيوية لمواجهة عجز الموازنة العامة للدولة كفاتورة يسددها فقراء الشعب الذين استجابوا لآلة الحشد الإخوانية السلفية وصوتوا ضد مصالحهم وارتضوا بدستور لا يحميهم في الأساس انما يعادي مطالبهم الملحة، وبتدهور الحالة الاقتصادية المتوقع لن يجد جيش الموظفين الحكوميين سبيلا لتحسين أوضاعهم الاقتصادية التي تنصل منها الإسلام السياسي بسبب رعونته إلا الميل إلى الرشاوى والفساد، وبالتبعية تنهار كل المؤسسات الخدمية مع مزيد من الترهل البيروقراطي فينهار التعليم والصحة والمرور والتموين والإسكان والصحافة والأمن والدفاع حتى القضاء لن يخلو من المحاكم العسكرية والاستثنائية وستظل شبحا يهدد المدنيين ويستشري الفساد ليصل إلى أقصى مدى ليطول حتى النقابات العمالية والمهنية مع وجود نوع من أنواع الفوضى وانتشار الجريمة، وباستثناء أصحاب الضمائر الحية الذين يحتفظون رغم معاناتهم الصعبة على بقية من الإنسانية في مجتمع عم فيه الفساد كل شيء من القمة للقاع، وحتى الرهان على الشعب من خلال استفتاءات وانتخابات وأحزاب ومجالس منتخبة هو رهان خاسر لمن يبحث عن ديمقراطية حقيقية تحمي الأقليات من البطش في مثل هذه الظروف ومثل هذا الفساد الشامل.

وكنتيجة حتمية لكل هذه العوامل مع زيادة استخدام الدين كستارة لحماية مصالح الطبقة الجديدة ونمو أكبر لتجار الدين ستتفجر ثورة شعبية ضد النظام من جديد بمسيرات في الشوارع واعتصامات بالميادين وحتى المصانع والجامعات لن تخلو من الإضرابات والاحتجاجات مما يضطر النظام ال محاولة قمع تلك الحركات الجماهيرية الشعبية بمواجهتها في هيئة ثورة تنتهي إما بانقلاب عسكري على رأس السلطة التنفيذية وإنقاذ باقي النظام بطبقته الحاكمة الجديدة وتفادي الحرب الأهلية، وإما الانجراف في تلك الحرب التي لا يعلم عواقبها إلا الله.
غير أن الانقلاب العسكري سيكون شكليا بتغيير رأس السلطة فقط في شخص الرئيس مع الحفاظ على الطبقة الرأسمالية الجديدة التي تكونت من رجال الرئيس وجماعته وبنفس المؤسسات القائمة ذات الصبغة الدينية التي ستقوم بموجب الدستور الهزلي الجديد بسن القوانين والتشريعات التي تضفي شرعية شكلية على مصالحها وتتفادي التورط في تلك الحرب مع بعض الضمانات التي قد تتخذها المؤسسة العسكرية بدأتها بالفعل عقب انتهاء الاستفتاء على الدستور مباشرة بإصدار قرار تم نشره بالجريدة الرسمية يحظر بيع أراضي الدولة المتاخمة للحدود في قلق واضح من مواد الدستور الجديد الذي لا يحظر بيع أراضي الدولة للأجانب، وقد يلجأ النظام للتصفية التدريجية المنظمة للثورة الشعبية والثوار تماما كما حدث أعقاب تنحي مبارك في صورة هجمات وحشية متتابعة ومذابح للثوار لا تخلو من تواجد بلطجية النظام تشابه ما حدث في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، هذا في حالة اختيار النظام للتضحية برأس السلطة التنفيذية، أما في حالة مناصرة رأس السلطة التنفيذية وجماعته وهذا بالطبع يتوقف على مدى هيمنة الرئيس على أجهزة الدولة سيلجأ النظام لاستخدام الحل الأمني السريع أوالتصفية العنيفة أوالحرب الأهلية، وكلها مرادفات لمعنى واحد يتشابه في دمويته وخطورته ويختلف في منهجيته، وفي هذه الحالة سيتجاهل النظام تاريخ الحروب الأهلية التي قامت بين سلطة تحولت لثورة مضادة ضد الشعب والتي انتهت كلها بهزيمة ساحقة يلحقها جمهور الشعب الأعزل بتلك السلطة التي تمتلك السلاح والأمر يختلف من نظام يستطيع تفادي تلك المواجهة الدموية وبين آخر يتورط فيها، أما في حالة الانقلاب العسكري التام على الرئيس برجاله وجماعته فالأمر قد يصبح أكثر دموية لكن أقصر أمدا وسينتهي سريعا نظرا لامتلاك الفريق الأول للقوة العسكرية والمادية اضافة لخبراته الطويلة في التعامل مع قادة الإسلام السياسي وكذا غباء هذا التيار وتكبره الغير مطاق الذي وضع البلاد على شفا تلك الحرب المحفوفة المخاطر.
الوضع وان كان سيئا لتيار الإسلام السياسي إلا أن الفرصة مازالت سانحة لهم في انسحاب منظَّم ديناميكي من السلطة بدلا من الهروب بعيدا في مسار الانفراد والهيمنة، لأن خيار الحرب الأهلية خسائره أبشع بكثير مقارنة بانسحابهم الذي سيحافظ على جزء كبير مما اكتسبوه سياسيا، ورغم الرغبة القوية لدى القوى الثورية والجماهيرية في التخلص من براثن وفاشية الدولة الدينية الا انها ستحاول جاهدة تفادي حرب أهلية ان خلصتهم من هذا الشبح المتخفي في رداء الدين فإنها لن تنتج سوى مزيد من الاستقرار لطبقة الرأسمالية التابعة ومزيد من استغلال ونفوذ تلك الطبقة.
ولذلك على ثورتنا أن تنتصر بعزائم الثوريين الحقيقيين مع تحديد أهدافنا الثورية في انتزاع جمهورية برلمانية حقيقية عن طريق وسائل النضال الشعبية القاعدية وبكل الطرق السلمية في تكوين ديمقراطية شعبية تعطي أولوية لتحسين الحقوق الاقتصادية وتقديم أوضاعا اجتماعية أفضل في ظل حريات غير مشروطة وغير تابعة لا تأبه برئيس هزلي لم يقدم للبلاد سوى ذلك الانقسام وتلك الفرقة والزج بنا لخطر الحرب الأهلية كفانا الله شرورها.