الأربعاء 20 اغسطس 2014

اطبع الموضوعآخرون
أحمد سعده

مئات الشهداء وآلاف المصابين دفعوا من دمائهم وأرواحهم ثمنا لتحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ملخصين ما يجب أن يتضمنه دستور مصر بعد الثورة, دستور يضمن للشباب الحق في العمل والأجر الكريم, دستور يتبنى مبدأ إعادة توزيع الثروة, دستور يضمن خدمات صحة مجانية وتعليم مجاني من الابتدائي للجامعة وقوانين عمل عادلة تحقق للعامل الحد الأدنى من العيش الكريم وتفرض على الدولة تحمل مسئوليتها تجاه مواطنيها, دستور يضمن حقوق المواطن في الحرية ويجرم التعذيب بكافة أشكاله والمحاكمات الاستثنائية والطوارئ, دستور ينص على المساواة بين المواطنين، دون أي تمييز على أساس الجنس أو الدين, هذا هو ملخص شعار الثورة العبقري (عيش, حرية, عدالة اجتماعية)
وبرغم ردود الفعل المتباينة حول المسودة الأولى للدستور وتضارب الآراء حول نصوصه إلا أن النخبة الحالية ترى فيها أجواء مثالية لتغيير بوصلة الثورة المصرية وشعارها الذي يتعارض مع مصالح قادتهم أصحاب المليارديرات ممن لا تروقهم شعارات العدالة الاجتماعية والحرية, وتوجيه الثورة الى طريق المتاهات القانونية والمعارك الدستورية والحروب الدينية لتشويه الصراع الأصلي من أجل أهداف الثورة الى صراعات طيفية وطائفية لاتسمن ولا تغني من جوع, ورغم الاختلافات الصاخبة بين الإسلاميين والليبراليين حول وضع الدين في الدستور نجد الطرفان في توافق شبه تام حول النصوص الحامية لرأس المال على حساب فقراء مصر الذين تخطت نسبتهم أكثر من 40% تحت خط الفقر, هذا الى جانب أن النخبة التي تضع الدستور ليست لجنة انتخبها الشعب مباشرة لأداء هذه المهمة في سابقة كارثية هي الأولى من نوعها في تاريخ كتابة الدساتير عقب أو أثناء الثورات, لجنة انتخبها برلمان تنكر للثورة منذ اللحظة الأولى التي استقر فيها على الكراسي وتخلو من مشاركة حقيقية لقطاعات عريضة في الدولة كجمهور العمال والفلاحين والمرأة وفقراء الأقباط وأهالي الشهداء والمصابين وممثلي الأحياء الفقيرة والنوبة وبدو سيناء والشباب ممن لم ترد أرقام هواتفهم في أجندات النخبة الحالية.
هؤلاء المستبعدين قد لا يكونوا على دراية بالدساتير السابقة، وقد لا يفهمون بدقة مضمون هذه المسودة التي يتقاتل عليها المتقاتلون ما بين إسلاميين يعتبرون أنفسهم حماة الدين وليبراليين لا يرون فيما يحدث سوى معركة واحدة مع الإسلاميين. لكن بالنظر لدولة مثل جنوب أفريقيا كانت تعاني كثيرا من العنصرية حينما أرادت وضع دستورها نزلت للعمال والفلاحين والفقراء ليكتبوا ما يعبر عن أحلامهم وطموحاتهم في الدستور، ثم تولي أساتذة القانون ترجمة احتياجاتهم لنصوص دستورية.
المهزلة الحقيقية هي أن الدستور الذي يتبلور اليوم من قبل هذه النخبة غير المنتخبة لا يمت بصلة للثورة المصرية من قريب أو من بعيد ويتفق من حيث المضمون مع دستور مبارك من حيث العداء للفقراء ومصالح وحقوق الجماهير، ومليء بما يكفي من الإبهام في البنود حول الحريات والتي تمكن الدولة من الاستمرار في نفس سياسات القمع إضافة الى البنود التي يصر الإسلاميون إقحامها والتي ستجعل فكرة المساواة بين المسلمين وغيرهم وبين الرجل والمرأة وحرية الرأي والاعتقاد مجرد شعارات خالية من المضمون.
وفي جميع الأحوال فإن الدستور في أفضل حالاته لن يرتبط بالواقع إلا من خلال متاهات التفسيرات للقانونيين والفقهيين تماما كما الحال في النصوص الدينية. وحيث ان المفسرون هم تلك النخبة المرتبطة مصالحها بمصالح الطبقة الحاكمة ودولتها فسيظل الدستور مجرد كلمات لتبرير سياسات النظام ودولته, والأمثلة كثيرة منها دستور الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين ربما كنت تبكي من كثرة الحريات في نصوصه لكن على أرض الواقع تتغاير الحقائق, كذلك الحال في دستور 1954 في عهد عبد الناصر وما شمله من نصوص الحريات في الوقت الذي عانت فيه المعارضة سواء كانوا إخوان أو شيوعيين من المعتقلات.
استمرار الثورة لا يرتبط بالضرورة بالأحداث الحالية داخل الأروقة القانونية والفقهية, ومعركة الدستور الذي يكتب حاليا ليست هي أم المعارك كما يصفها البعض, لكن المعركة الكبرى هي استمرار الثورة وتوعية الجماهير بعداء النخبة الحالية لمصالحهم, نحن بحاجة ماسة لتغيير موازين القوى لصالح الجماهير لتصبح قادرة على الإطاحة ليس فقط بالدستور الحالي ولكن بالنخبة التي تنتجه.
طبقة رجال الأعمال في مصر تترنح ولم تعد قادرة على تحمل تذبذب مؤشرات البورصة, وتأمل للعودة من جديد وبأي ثمن لاستعادة سيولة الأموال في جيوبهم مثلما كان الحال أيام حبيبهم المخلوع, في نفس الوقت فإن الجمهور سواء كانوا عمال او طلاب أو روابط كـ الألتراس وغيرهم في حالة انتفاض دائم وهذه ظروف مثالية لا تتكرر في التاريخ كثيراً ونسب النجاح كبيرة جدا مقارنة بما قبل الثورة فإما اخترنا استمرار ثورتنا أو يكون مصيرنا انتصار الثورة المضادة.

رأي

أحدث الأخبار